أحمد بن علي القلقشندي
326
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
لأئمّتنا الاجتهاد في النّوازل والأحكام فاجتهادهم لا ينكر ، خصوصا في شأن الإمامة الَّتي هي آكد أسباب المعالم الدينيّة وأقواها ، وأرفع المناصب الدّنيويّة وأعلاها ، وأعزّ الرّتب رتبة وأغلاها ، وأحقّها بالنظر في أمرها وأولاها . وكان القائم بأمر المسلمين الآن فلان بن فلان الفلانيّ ممّن حاد عن الصّراط المستقيم ، وسلك غير النّهج القويم ، ومال عن سنن الخلفاء الراشدين فأدركه الزّلل ، وقارف المآثم فعاد بالخلل ، فعاث في الأرض فسادا ، وخالف الرّشد عنادا ، ومال إلى الغيّ اعتمادا ، وأسلم إلى الهوى قيادا ، قد انتقل عن طور الخلافة ، وعزيز الإنافة ، إلى طور العامّة فاتّصف بصفاتهم ، واتّسم بسماتهم ، فمنكر يجب عليه إنكاره قد باشره ، وصديق سوء يتعيّن عليه إبعاده قد وازره وظاهره ، إن سلك فسبيل التّهمة والارتياب ، أو قصد أمرا نحا فيه غير الصّواب ، منهمك على شهواته ، منعكف على لذّاته ، متشاغل عن أمر الأمّة بأمر بنيه وبناته ، الجبن رأس ماله ، وعدم الرأي قرينه في أفعاله وأقواله ، قد قنع من الخلافة باسمها ، ورضي من الإمامة بوسمها ، وظنّ أنّ السّودد في لبس السّواد فمال إلى الحيف ، وتوهّم أنّ القاطع الغمد فقطع النظر عن السّيف . ولمّا اطَّلع الناس منه على هذه المنكرات ، وعرفوه بهذه السّمات ، وتحقّقوا فيه هذه الوصمات ، رغبوا في استبداله ، وأجمعوا على خلعه وزواله ، فلجأوا إلى السلطان الأعظم الملك الفلاني ( بالألقاب السلطانية إلى آخرها ) نصر اللَّه جنوده ، وأسمى جدوده ، وأرهف على عداة اللَّه حدوده ، ففوّضوا أمرهم في ذلك إليه ، وألقوا كلَّهم عليه ، فجمع أهل الحلّ والعقد منهم ، ومن تصدر إليهم الأمور وترد عنهم ، فاستخاروا اللَّه تعالى وخلعوه من ولايته ، وخرجوا عن بيعته ، وانسلخوا عن طاعته ، وجرّدوه من خلافته ، تجريد السّيف من القراب ، وطووا حكم إمامته ، كطيّ السّجلّ للكتاب . وعندما تمّ هذا الخلع ، وانطوى حكمه على البتّ والقطع ، التمس الناس إماما يقوم بأمور الإمامة فيوفيها ، ويجمع شروطها ويستوفيها ، فلم يجدوا لها أهلا ، ولا بها أحقّ وأولى ، وأوفى بها وأملى ، من السيّد الأعظم الإمام النبوي سليل الخلافة ، ووليّ الإمامة أبي